الجاحظ
168
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
وكان زريق الفزاريّ يمر بالليل وهو شارب ، فيشتم أهل المجلس ، فلما أن كان بالغداة عاتبوه ، قال : نعم ، زنيت أمهاتكم فما ذا عليكم ؟ قالوا : وخطب يوما عتاب بن ورقاء فقال : هذا كما قال اللّه تبارك وتعالى : « إنما يتفاضل الناس عما لهم ، وكل ما هو آت قريب » . قالوا له : إن هذا ليس من كتاب اللّه ! قال : ما ظننت إلا أنه من كتاب اللّه . قال : وخطب عدي بن وتّاد الأيادي فقال : أقول كما قال العبد الصالح : ( ما رأيكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) . قالوا له : ليس هذا من قول عبد صالح ، إنما هو من قول فرعون . قال : ومن قاله فقد أحسن ! وقال أعرابي : خلق السماء وأهلها في جمعة * وأبوك يمدر حوضه في عام « 1 » وقالوا : وكان عبد الملك بن مروان أول خليفة من بني أمية منع الناس من الكلام عند الخلفاء ، وتقدّم فيه وتوعّد عليه ، وقال : إن جامعة عمرو بن سعيد بن العاصي عندي ، وإني واللّه لا يقول أحد هكذا إلا قلت به هكذا . وفي خطبة له أخرى : إني واللّه ما أنا بالخليفة المستضعف ( وهو يعني عثمان بن عفان رحمه اللّه ) ، ولا أنا بالخليفة المداهن ( يعني معاوية ) ، ولا أنا بالخليفة المأبون ( يعني يزيد بن معاوية ) . قال أبو إسحاق : واللّه لولا نسبك من هذا المستضعف ، وسببك من هذا المداهن ، لكنت منها أبعد من العيّوق « 2 » . واللّه ما أخذتها من جهة الميراث ولا من جهة السابقة ، ولا من جهة القرابة ، ولا تدعي شورى ولا وصية .
--> ( 1 ) مدر الحوض : سد حجارته بقطع الطين اليابس . ( 2 ) العيوق : كوكب أحمر مضيء في طرف الفضاء الأيمن .